أسطورة الشراكة بين أميركا وروسيا - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

أسطورة الشراكة بين أميركا وروسيا

0 115

GARRY KASPAROV – Wall Street Journal

* زعيم “الجبهة المدنية الموحدة” (جماعة روسية منادية بالديمقراطية) ورئيس مؤسسة حقوق الإنسان، مقرها نيويورك، ويقيم في موسكو.

الجريدة * قسم الترجمة * 24/5/2012

 أثبتت الاحتجاجات الحاشدة أن الطبقة الوسطى الروسية ترفض ترشّح بوتين للرئاسة مدى الحياة. ففي ظل غياب أي هيئة تشريعية أو قضائية مستقلة،

لا مفر من إسقاط بوتين في الشارع.

بعد أربع سنوات على تولي ديمتري ميدفيديف مهمة تدفئة عرش القيصر، ها هو فلاديمير بوتين يعود مجدداً إلى رئاسة روسيا. لم تحصل أي احتفالات شعبية تزامناً مع تنصيب بوتين في 7 مايو، بل حدث العكس. فقد أُخليت شوارع موسكو من الناس وانتشر فيها وجود أمني هائل وتحول المكان إلى مدينة أشباح. هكذا كان المشهد بعد أن أثبتت الاحتجاجات الحاشدة أن الطبقة الوسطى الروسية ترفض ترشّح بوتين للرئاسة مدى الحياة. في ظل غياب أي هيئة تشريعية أو قضائية مستقلة، لا مفر من إسقاط بوتين في الشارع.

في غضون ذلك، يستعمل هذا القيصر المعاصر سلطة الدولة المطلقة لقمع الحركة الديمقراطية المتنامية في روسيا. في 6 مايو، اعتُقل زعيمان شابان لتلك الحركة، هما ألكسي نافالني وسيرغي أودالتسوف، وهما لايزالان في السجن بعد أن حُكم عليهما بالسجن لمدة 15 يوماً. اتُّهم الاثنان بـ”مقاومة الاعتقال بعنف”، مع أن فيديوهات عدة تبين أن نافالني اعتُقل وهو يرفع يديه في الهواء ويصرخ: “لا تقاوموا! لا تقاوموا!”.

لكن منعت المحكمة حتماً استعمال الفيديوهات كدليل في هذه القضية. قد تُضاف إلى تلك التهم قضية جنائية ضدهما بسبب “التحريض على العنف” (إنها حجة الكرملين في ما يخص أي محاكمة سياسية).

بدأت قضية مماثلة في سانت بيترسبورغ وهي تحمل مظاهر أسوأ بعد عن قمع الاستخبارات الروسية. في الآونة الأخيرة، اتُّهم ناشطون من تحالف “روسيا الأخرى” بممارسة “نشاطات متطرفة” استناداً إلى شهادة عملاء ومخبرين يعملون جميعهم في وزارة الداخلية. وُصفت جريمتهم رسمياً بتنظيم “أحداث عامة تركز على تأجيج مشاعر الكره تجاه كبار القادة في سلطة الدولة” (إنها عبارة تثير القشعريرة في نفس أي شخص وُلد وراء الستار الحديدي).

لم تتأخر كثيراً ردة الفعل الأميركية على تلك الاحتجاجات وعلى الرد الوحشي الذي أبداه نظام بوتين تجاهها. في 8 مايو، في الوقت الذي كانت فيه قوى الأمن لا تزال تُخلي الشوارع وتداهم المقاهي، أجرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون مقابلة مع قناة “سي إن إن” (CNN) لتوضيح موقف إدارة أوباما. في عبارة أثارت سخطاً عارماً وفورياً في روسيا، قالت كلينتون إنها تأمل “أن تتمكن روسيا من متابعة إرساء الديمقراطية” خلال عهد بوتين الجديد.

شهد حكم بوتين الذي دام 12 عاماً انحداراً ثابتاً في المسار الديمقراطي على جميع المستويات. بالتالي، ما هي الرسالة التي أراد ذلك التصريح الشائن توجيهها؟ هل يُفترض أن يتابع الروس التعبير عن امتنانهم لأننا لم نعد نعيش في عهد بريجنيف أو ستالين؟ أم انها طريقة إدارة أوباما لإبلاغ بوتين بضرورة أن يتابع مسيرته، وبأن مسائل حقوق الإنسان والديمقراطية تبقى على الهامش طالما يستطيع حلف الأطلسي استعمال الأراضي الروسية لإرسال الإمدادات إلى أفغانستان؟

عمد الأميركيون طوال سنوات إلى الترويج لأسطورة مغلوطة مفادها أن روسيا والولايات المتحدة ترتبطان بشراكة استراتيجية مفيدة للطرفين. لكن من الأصعب اليوم تصديق هذه الفكرة الوهمية. ألغى بوتين فجأةً رحلته إلى قمة مجموعة الثماني في كامب ديفيد وقرر بدلا من ذلك أن يقوم بأول رحلة خارجية خلال عهده الجديد إلى دولة دكتاتورية بامتياز: بيلاروسيا تحت حكم ألكسندر لوكاشينكو.

ربما ينبغي أن يوسّع بوتين رحلته ويقوم بجولة إلى جميع البلدان الدكتاتورية الشقيقة التي يوفر لها الدعم المباشر وغير المباشر. يتوق الكرملين على ما يبدو إلى إبقاء الرئيس السوري بشار الأسد في منصبه، وهو يتابع بيع “الأسلحة الدفاعية” له بما أن أي صراع في المنطقة يضمن ارتفاع أسعار النفط، وهو أمر يحتاج إليه بوتين وأعوانه للبقاء في السلطة.

يمكن تحقيق الهدف نفسه من خلال دعم المساعي النووية التي يطمح إليها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. لاشك أن بوتين يشعر بالسرور حين يوفر الأسلحة إلى الملالي في إيران. وعندما لا يوافق على بيعهم صواريخ متطورة ومضادة للطائرات، فهو يفعل ذلك حصراً، لأنه لا يريد أن يردع إسرائيل بالكامل عن شن ضربة عسكرية ضد إيران، فهو يحلم باندلاع صراع مفتوح في المنطقة لضمان ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.

يتماشى حكام دكتاتوريون آخرون من أصدقاء بوتين مع الوضع القائم في المنطقة الضعيفة في آسيا الوسطى، حيث بدأ الإسلام المتشدد يطرح تهديداً متنامياً، وحيث يدير الجنرالات الروس تجارة المخدرات. على صعيد آخر، اتهمت الحكومة الأميركية أعضاء من حكومة هوغو تشافيز في فنزويلا بمساعدة ودعم اتحادات المخدرات الاحتكارية في المكسيك، ولاشك أن علاقة تشافيز الوثيقة بنائب رئيس الوزراء الروسي إيغور سيتشين تبدو مفيدة في هذا المجال.

إذا كانت هذه المعطيات كلها تعني وجود شراكة روسية مع الولايات المتحدة بالنسبة إلى إدارة أوباما، فربما لم تعد طريقة فهم للخطط الاستراتيجية كما كانت عليه. تضامن فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل وجوزيف ستالين لأنهم واجهوا تهديداً وجودياً مشتركاً. أما أجندة بوتين السرية فهي تخدم أهدافه الخاصة فقط.

على صعيد آخر، تُعتبر معارضة نشاطات بوتين جزءاً من خطة دعم القانون الدولي. لقد امتدت مظاهر الفساد في القطاعين العام والخاص في روسيا خلال عهد فلاديمير بوتين إلى حدودنا منذ فترة طويلة.

ماذا يمكن أن نفعل إذاً لتعزيز قضية الديمقراطية الروسية في وجه العوائق التي تزرعها إدارة أوباما؟ يجب أن يمرر الكونغرس الأميركي في أسرع وقت ممكن قانون سيرغي ماغنيتسكي، من أجل محاسبة عصابات بوتين والمسؤولين البيروقراطيين في عهده. سُمّي قانون ماغنيتسكي تيمناً بمحامٍ روسي توفي بعد اعتقاله في عام 2009 حين كان يحقق في تهم الفساد على المستوى الرسمي، وسيفرض ذلك القانون عقوبات وضوابط على التأشيرات والأرصدة ضد الموظفين الحكوميين الروس الذين يرتكبون الجرائم وينتهكون حقوق الإنسان.

على عكس تمثيلية التعاون بين الكرملين والبيت الأبيض، سيصبّ هذا القانون فعلاً في مصلحة الشعبين الأميركي والروسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.