أحوال تركية - بقلم مارك بنتلي - المدخرون الأتراك العاديون هم الذين سيقررون مصير الليرة المتعثرة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

أحوال تركية – بقلم مارك بنتلي – المدخرون الأتراك العاديون هم الذين سيقررون مصير الليرة المتعثرة

0 83

أحوال تركية – بقلم مارك بنتلي * – 21/11/2020

ومن المتوقع أن يرتفع معدل تضخم أسعار المستهلكين في تركيا إلى 12.5 في المائة قبل العام 2021، وذلك وفقاً لمسح أجراه البنك المركزي وشمل مختصّين في الصناعة المالية وقادة الأعمال. ويتوقع العديد من الاقتصاديين زيادة أخرى في بداية السنة المقبلة، إلى ما يزيد على 13 في المائة ثم أعلى.

قد يكون المدخرون العاديون في تركيا، وليس المستثمرون الأجانب، هم الذين سيقررون ما إذا كان قرار البنك المركزي في بلدهم رفع أسعار الفائدة يوم الخميس سيفتح مرحلة جديدة من الاستقرار للعملة المحلية: الليرة.

وقد عانى الأتراك تضاؤل قيمة مدخراتهم بالليرة على مدار السنتين الأخيرتين مع تراجع قيمة العملة إلى أدنى مستوياتها مقابل الدولار وارتفاع معدلات التضخم، وهو ما ذكرهم بعقود من عدم الاستقرار المالي. ولذلك، لجأ الكثيرون منهم إلى الدولار واليورو والذهب لحماية رؤوس أموالهم، مما أدى إلى ما يسمى بـ”دولرة الاقتصاد.”

وأظهرت بيانات رسمية نُشرت يوم الجمعة الماضي أن الأتراك يمتلكون 225.8 مليار دولار من العملات الأجنبية والمعادن النفيسة حتى 13 تشرين الثاني (نوفمبر)، في زيادة قدرها 1.5 مليار دولار عن الأسبوع السابق. وتشير أرقام البنك المركزي إلى أن العملات الأجنبية تشكل حوالي 56 في المائة من الأموال في الحسابات الجارية وحسابات الودائع في تركيا مقارنة بالـ50 في المائة المسجّلة قبل سنة.

ويبيع الأتراك الليرة حتى بعد إعلان الرئيس رجب طيب أردوغان عن إجراء تعديلات على فريقه الاقتصادي قبل أسبوعين والتكهنات بأن البنك المركزي سيرفع سعر الفائدة القياسي. وقد فعل البنك ذلك في اجتماع يوم الخميس الماضي ورفع سعر الفائدة القياسي بمقدار 4.75 نقطة مئوية إلى 15 في المائة.

ويبدو أن المدخرين الأتراك لا يعتقدون أن إجراءات البنوك على الودائع بالليرة توفر حماية كافية لمدخراتهم. وقد ارتفع تضخم أسعار المستهلكين في تركيا إلى 11.9 بالمائة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفقاً لبيانات رسمية.

ويتذكّر العديد من الأتراك عدم الاستقرار الاقتصادي الذي شهدوه قبل وقت طويل من أزمة العملة في العام 2018، والتي دفعت الاقتصاد إلى حافة أزمة مالية وأدت إلى ركود عميق.

في كانون الثاني (يناير) 2005، أجرت حكومة رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، تخفيضاً جماعياً لقيمة الليرة، وحذفت ستة أصفار من قيمة العملة. ووصف أردوغان انخفاض قيمة الليرة على مدى عقود بالعار، وقال إن حكومته “تستعيد كرامتها”.

قبل خمس عشرة سنة، كانت أصغر قطعة عملة معدنية في تركيا هي الخمسون ألف ليرة، أي ما يعادل 4 سنتات أميركية. وعكست هذه القيمة تضخماً خارج نطاق السيطرة وسلسلة من الأزمات الاقتصادية. وكان الدولار الواحد يساوي 2.8 ليرة في الخمسينيات. وخلال الأزمة المالية في 2001، بلغ معدل التضخم السنوي 70 في المائة. وتجاوزت الزيادات السنوية في الأسعار 30 في المائة عندما تولت حكومة أردوغان السلطة في نهاية العام التالي.

وبحلول نهاية العام 2004، احتاج الأتراك إلى 1.350.000 ليرة لشراء دولار واحد. ثم ارتفعت قيمة الليرة إلى 1.15 أمام الدولار قبل الأزمة المالية العالمية في العام 2008، حيث نفذت تركيا إصلاحات اقتصادية شاملة في إطار برنامج قرض صندوق النقد الدولي. ويحتاج الأتراك اليوم إلى 7.61 ليرة لشراء دولار واحد، أو 7.61.000 ليرة من الليرة القديمة.

أعادت السياسة الاقتصادية على مدى العامين الماضيين إحياء ذكريات الأتراك عن ماضي الأزمات في البلاد. فقبل اضطراب العملة في آب (أغسطس) 2018، كانت حكومة أردوغان تستهدف القواعد الاقتصادية لبرنامج قروض صندوق النقد الدولي. وقوضت استقلالية البنك المركزي وعدد من المؤسسات المالية والاقتصادية الأخرى، بما في ذلك البنوك التي تديرها الدولة بعد إخراجها من الرقابة البرلمانية وتحويلها إلى صندوق ثروة سيادي.

منح الانتصار في الانتخابات الرئاسية في صيف العام 2018 لأردوغان سلطات تنفيذية جديدة واسعة مع تحول تركيا من نظام برلماني إلى رئاسي. وعند إعادة تنصيبه، عيّن أردوغان صهره على رأس وزارتي الخزانة والمالية المدمجتين، ومنح نفسه سلطة تعيين كبار مسؤولي البنك المركزي وفصلهم. كما أصبح رئيساً لمجلس إدارة صندوق الثروة السيادية التركي. وعلى مدى الأشهر التالية، استبدل العديد من كبار الأعضاء في مؤسسة كانت تديرها الدولة وكانت المسؤولة عن حساب التضخم والبيانات الاقتصادية الرئيسية الأخرى.

وفي تلك الفترة، شرع أردوغان وصهره، بيرات البيرق، في هندسة طفرة في الاقتراض على أساس أسعار الفائدة المنخفضة لإنقاذ البلاد من ركود اقتصادي عميق. وأقرضت البنوك التي تديرها الدولة عشرات المليارات من الليرات وطُلب من المقرضين الخاصين أن يتبعوا نفس النهج.

في تموز (يوليو) 2019، أقال الرئيس محافظ البنك المركزي لفشله في خفض تكاليف الاقتراض التي تحددت عند 24 في المائة للمساعدة في حماية الليرة. وفي أيار (مايو)، أبقى البنك المركزي على سعر الإقراض القياسي ثابتا عند 8.25 في المائة منذ أيار (مايو) حتى مع تسارع التضخم إلى 11.8 في المائة. كما شهد المدخرون انخفاض أسعار الفائدة على ودائعهم بالليرة.

أدى الازدهار في الاقتراض وسياسات الحكومة حول أسعار الفائدة المنخفضة إلى اضطرار البنك المركزي إلى بيع عشرات المليارات من الدولارات من احتياطياته من العملات الأجنبية لتحقيق الاستقرار في الليرة بدلاً من زيادة تكاليف الاقتراض. وسرعان ما تراجعت احتياطياته إلى المنطقة السلبية.

على الرغم من تدخلات البنك في سوق العملات، هبطت الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها القياسية، ووصلت قيمتها إلى 8.58 أمام الدولار في 6 تشرين الثاني (نوفمبر). وفي اليوم التالي، أقال أردوغان محافظ البنك المركزي وعين بديلاً له، مدركاً أن مستقبله السياسي قد يكون تحت تهديد تبعات الانهيار المالي.

في 13 تشرين الثاني (نوفمبر)، أظهرت بيانات رسمية للبنك المركزي ارتفاع التضخم في تركيا في تشرين الأول (أكتوبر) إلى 11.89 في المائة على أساس سنوي. وهذا غير كاف لتغطية تكلفة التضخم السنوي. وقد استخدم البنك المركزي في تركيا ما يسمى بممرّ أسعار الفائدة لتحديد متوسط تكلفة التمويل للبنوك، والتي ارتفعت إلى حوالي 14.75 في المائة قبل أن يرفع البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي إلى 15 في المائة يوم الخميس.

وقال المستشار الاقتصادي الرئيسي في “بي جي آي إم”، يورغن أودينيوس، في تقرير يوم الخميس، إنه لبدء عكس الـ”دولرة”، يجب أن تتجاوز أسعار الفائدة على الودائع في تركيا التضخم السنوي بمقدار 3 نقاط مائوية أو أكثر. وقال إنه على الرغم من رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة، فقد تكون الأسعار الحقيقية أقل من المطلوب لعكس اتجاه الدولرة، وذلك اعتماداً على مسار التضخم.

وقرر الرئيس التركي إقالة محافظ البنك المركزي، مراد أويصال، من منصبه واستبداله برئيس الاستراتيجية الرئاسية والموازنة ناجي إقبال. ويواجه البنك المركزي والمحافظ إقبال ووزير الخزانة والمالية الجديد، لطفي علوان، الذي عُيّن مكان البيرق خلال الأسبوع الماضي، مشكلة تسارع التضخم والتصورات العامة بشأن زيادات الأسعار ومعضلة استعادة مصداقية تركيا الاقتصادية والنقدية.

تاريخياً، لا يثق الأتراك في البيانات الرسمية. وقد رسخت تلك البيانات التي نشرتها الحكومة مؤخّرا هذه النظرة، حيث شهدوا ارتفاع أسعار العديد من السلع الأساسية بمعدل أعلى. وزادت مزاعم وسائل الإعلام المعارضة حول اعتماد هذه الأسعار بناء على أوامر من المسؤولين الحكوميين من شكوكهم.

أظهرت دراسة نشرت في تشرين الأول (أكتوبر) عن التضخم في تركيا، والتي أجراها أكاديميون وباحثون، أن الزيادات الشهرية في الأسعار كانت أكبر بأربعة أضعاف من البيانات الرسمية.

وقد ارتفعت الأسعار بنسبة 3.61 في المائة الشهر الماضي مقارنة بشهر آب (أغسطس) مقابل الزيادة بنسبة 0.97 في المائة التي أبلغ عنها معهد الإحصاء التركي، وفقا لمجموعة أبحاث التضخم المستقلة التي تضم أكاديميين من عدة جامعات تركية.

ظل التضخم السنوي لأسعار المستهلك في تركيا مستقرًا بشكل مثير للفضول حتى مع انخفاض قيمة الليرة وأدى إلى قفزة في أسعار المنتجين. وارتفعت أسعار المستهلكين في تركيا بنسبة 11.76 في المائة خلال شهر تموز (يوليو) الماضي و11.75 في المائة في آب (أغسطس)، و11.75 في المائة في أيلول (سبتمبر) و11.89 في المائة في تشرين الأول (أكتوبر).

ومن المتوقع أن يرتفع معدل تضخم أسعار المستهلكين في تركيا إلى 12.5 في المائة قبل العام 2021، وذلك وفقاً لمسح أجراه البنك المركزي وشمل مختصّين في الصناعة المالية وقادة الأعمال. ويتوقع العديد من الاقتصاديين زيادة أخرى في بداية السنة المقبلة، إلى ما يزيد على 13 في المائة ثم أعلى.

*المدير السابق لمكتب بلومبرغ في تركيا. يتمتع بخبرة في العمل الصحفي لأكثر من عقدين. كان قد أجرى أول مقابلة مع الرئيس رجب طيب أردوغان لصحفي أجنبي بعد فوزه في الانتخابات في العام 2002.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.