#أقلام وأراء

جنين ترفع من وتيرة التحولات في المجتمع الفلسطيني ، حملة كاسر الأمواج تعمق من مأزق إسرائيل

العميد أحمد عيسى

العميد أحمد عيسى ١٧-٤-٢٠٢٢م

يجادل كثير من الإسرائيليين أن إسرائيل دخلت منذ بداية الألفية الجديدة في مأزق لا يبدو أنه قابل للحل، ويرى البعض من خبراء الجيوبولتيك سواء داخل إسرائيل أم خارجها، أن إنقسام المجتمع الإسرائيلي بين داعم ورافض لإنسحاب شارون من غزة من جانب واحد العام 2005، كان التعبير الأوضح عن هذا المأزق.

ويضيف هؤلاء الخبراء أن المأزق يكمن في توظيف موارد الدولة في مواجهة التهديدات الآنية الجارية التي تواجه الدولة، وغياب إهتمام الدولة وكنتيجة غياب إستعدادها للتهديدات المتوقع بروزها في المدى المتوسط والبعيد، إذ فيما جاء قرار شارون بالإنسحاب من غزة من جانب واحد بناء على تقدير (ساعده بالتوصل اليه ماضيه العسكري)، أن التهديدات المتوقع أن تبرز أمام الدولة في العقد القادم، أكثر خطورة على  إسرائيل من التهديدات التي تمثلها غزة بعد إنسحاب الجيش منها، رأيبالمقابل معسكر اليمين الذي يهمن على الدولة الآن، أن التهديدات التي تمثلها العمليات (الإرهابية) على حد وصفهمالتي ممكن أن تصدر من غزة بعد إنسحاب الجيش منها، هي الخطر الحقيقي على الدولة، أما التهديدات المتوقع بروزها في المستقبل كما يجادل شارون ومعسكره فهي ليست أكثر من توقعات نظرية.

وفيما بلغت التحولات في المجتمع الإسرائيلي ذروتها خلال العقد الماضي وأصبح اليمين (الديني والعلماني) الذي لا يرى أن تحولات البيئة الإستراتيجية الإسرائيلية تنطوي على تهديدات وجودية للدولة هو المهيمن على مؤسسات الحكم في الدولة، نرى بالمقابل أن التحولات الجارية في المجتمع الفلسطيني منذ فترة غير قصيرة لم تصل بعد إلى مآلاها النهائي.

في الواقع يشهد المجتمع الفلسطيني برمته، لا سيما في الضفة الغربية حراكاً منذ فترة ليست قصيرة، والعنوان الرئيس لهذا الحراك هو “بعث الحركة الوطنية الفلسطينية من جديد”، لا سيما بعد إكتشاف أصغر الفلسطينيين سناً إن الدولة الفلسطينية المستقلة الموعودة ليست في متناول اليد، والأهم بعد إكتشافهم إن إسرائيل ليس بواردها صناعة سلام مع الفلسطينيين، إنما تسعى إلى توظيف ما يسمى بمسيرة السلام لفرض الإستسلام على الشعب الفلسطيني كما تجلى خلال صفقة الرئيس ترامب الأمريكي السابق المعروفة بصفقة القرن.

وقد تجلت أبرز علامات التحول الذي يشهده المجتمع الفلسطيني، وما تنطوي عليه هذه التحولات من دلالات في عمليات الطعن والدهس الفردية، التي بادر إليها الشباب الفلسطيني (صبيان وفتيات) تحث سن الثلاثين من العمر في كافة أنحاء الضفة الغربية، لا سيما في القدس.

في الواقع لم تكن ما أصطلح على تسميتها بإنتفاضة السكاكين التي وصلت ذروتها قبل خمس سنوات من الآن، موجة عابرة يمكن القضاء عليها وإستئصالها بوسائل وإجراءات أمنية فقط، بل كانت تلك الموجة هي الإشارة الأكثر تعبيراً من بين إشارات أخرى برزت خلال العقد الأخير، على ما يشهده المجتمع الفلسطيني برمته من تحولات غلب عليها الطابع الفردي للخلاص من الإحتلال والإستيطان والتهويد والبطش والتبجح بالقتل والإعتقال.

وقد جائت أحداث الشهر الماضي التي بادر إليها أفراد من محافظة جنين (ضياء ورعد) لترفع من وتيرة هذه التحولات في المجتمع الفلسطيني، والأهم أنها جائت لتحدد مسار واتجاههذه التحولات، الأمر الذي تجلى بوضوح في خطاب والد رعد الخازن، وخطاب كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية في جنين ومعهم مسؤولي ونشطاء حركة فتح في المحافظة، مما يعني أن ما بادر اليه (ضياء ورعد) حتى وإن كان عملاً فردياً، إلا أنهجعل منهم ومن عملهم نموذج يقتدي به جيلهم والأجيال القادمة.

من جهتها المنظومة الأمنية الإسرائيلية بدأت منذ باية شهر نيسان/أبريل الجاري وتحديداً بعد العملية التي نفذها ضياء حمارشة قي مدينة بني براك يوم الثلاثاء الموافق 29/3/2022،بتنفيذ حملة عسكرية واسعة في الضفة الغربية أطلق عليها الجيش إسم (كاسر الأمواج)، ووفقاً لتصريحات رئيس أركان الجيش (أفيف كوخافي) الذي يقود الحملة، من المتوقع أن تستمر هذه الحملة لشهرين قادمين.

ويظهر الخطاب الإعلامي سواء لوزير الجيش (بيني جانتس)، أو لكبار ضباط الجيش، أو للإعلاميين الإسرائيليين، أن الهدف المعلن لحملة كاسر الأمواج هو القضاء على الأفرادالفلسطينيين الذين يمكن حسب تقديرات المخابرات الإسرائيلية أن يبادروا لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية، ومقابل ذلك توضح تقديرات مؤسسات البحث المتخصصة في قضايا الأمن القومي الإسرائيلي، أن إسرائيل تخطأ أيما خطأ إذا تجاهلت التحولات الجارية في المجتمع، لا سيما وأن العمليات الأخيرة تمثل نجاح إستراتيجي لحركة المقاومة الفلسطينية، أو للإرهابين على وصفهم.

وأجادل في هذه المقالة أنه قد “رفعت الأقلام وجفت الصحف” فإسرائيل ليس بواردها أبدأً السماح لدولة فلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية أن تقوم، بل هي ماضية في الإستيطان والتهويد والحصار والتميز العنصري الأبارتهايد، الأمر الذي يعمق من مأزقها الذي لا يبدو أنه قابل للحل، أما فلسطينياً فقد زادت جنين من وتيرة وسرعة ومسار التحول في المجتمع الفلسطيني.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى